أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
73
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَإِذا جاءَكَ . « إِذا » منصوب بجوابه ، أي : فقل سلام عليكم وقت مجيئهم ، أي : أوقع هذا القول كله في وقت مجيئهم إليك ، وهذا معنى واضح . وقال أبو البقاء : العامل في « إِذا » معنى الجواب ، أي : إذا جاءوك سلم عليهم . ولا حاجة تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى ، لأن كونه يبلغهم السّلام ، والإخبار بأنه كتب على نفسه الرحمة ، وأنه من عمل سوءا بجهالة غفر له ، لا يقوم مقامه السّلام فقط ، وتقديره : يفضي إلى ذلك . وقوله : « سَلامٌ » مبتدأ ، وجاز الابتداء به ، وإن كان نكرة ، لأنه دعاء ، والدعاء من المسوّغات . وقال أبو البقاء : لما فيه من معنى الفعل ، وهذا ليس من مذهب جمهور البصريين ، إنما هو شيء نقل عن الأخفش ، أنه إذا كانت النكرة في معنى الفعل جاز الابتداء بها ، ورفعها الفاعل ، وذلك نحو : قائم أبوك . ونقل ابن مالك أن سيبويه « 1 » أومأ إلى جوازه ، واستدل الأخفش بقوله : 1943 - خبير بنو لهب فلا تك ملغيا * مقالة لهبيّ إذا الطّير مرّت « 2 » ولا دليل فيه ، لأن فعيلا يقع بلفظ واحد للمفرد وغيره ، ف « خبير » خبر مقدم ، واستدل له أيضا بقول الآخر : 1944 - فخير نحن عند النّاس منهم * إذا الدّاعي المثوّب قال يالا « 3 » فخير : مبتدأ ، ونحن : فاعل سد مسد الخبر . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون « خير » خبرا مقدما ، و « نحن » مبتدأ مؤخر ؟ قيل : أفلا يلزم الفصل بين « أفعل » ، و « من » بأجنبي بخلاف جعله فاعلا فإن الفاعل كالجزء بخلاف المبتدأ . وهذا القدر في هذا الموضع كاف ، والمسألة قد قررتها في غير هذا الموضوع ، و « عَلَيْكُمْ » خبره . و « سَلامٌ عَلَيْكُمْ » . أبلغ من : مسلاما عليكم » بالنصب ، وقد تقرر هذا في أول الفاتحة ، عند قراءة : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » « الْحَمْدُ » « 4 » . قوله : كَتَبَ رَبُّكُمْ في محل نصب بالقول ، لأنه كالتفسير لقوله : « سَلامٌ عَلَيْكُمْ » . قوله : « أَنَّهُ » ، وقوله : « فَأَنَّهُ » قرأ ابن عامر وعصام بالفتح فيهما ، وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالكسر فيهما ، ونافع بفتح الأولى وكسر الثانية ، وهذه القراءات الثلاث في المتواتر ، والأعرج بكسر الأولى ، وفتح الثانية عكس قراءة نافع ، هذه رواية الزهراوي عنه ، وكذا الداني ، وأما سيبويه « 5 » فروى قراءته كقراءة نافع ، فيحتمل أن يكون عنه روايتان . فأما القراءة الأولى ففتح الأولى فيها من أربعة أوجه : أحدها : أنها بدل من « الرَّحْمَةَ » بدل شيء من شيء ، والتقدير : كتب على نفسه أنه من عمل . . . إلخ ، فإنّ نفس هذه الجملة المتضمنة للإخبار بذلك رحمة . والثاني : أنها في محل رفع على أنها مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : عليه أنّه من عمل . . . إلخ .
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 2 / 127 ) . ( 2 ) البيت لبعض الطائيين انظر الهمع ( 1 / 94 ) ، التصريح ( 1 / 157 ) ، الأشموني ( 1 / 192 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 93 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 731 ) . ( 3 ) البيت لزهير الضبي انظر الخصائص ( 1 / 276 ) ، ( 3 / 228 ) ، المغني ( 1 / 219 ) ، الهمع ( 1 / 181 ) ، الخزانة النوادر ( 185 ) ، شرح ابن عقيل ( 1 / 194 ) ، المثوب : من التثويب وأصله : أن يجيء الرجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر ثم سمي الدعاء تثويبا لذلك « قال يالا : أي قال يا لفلان فحذف فلانا وأبقى اللام » . ( 4 ) سورة الفاتحة ، آية ( 2 ) . ( 5 ) انظر الكتاب ( 3 / 134 ) .